نخبة من الأكاديميين
15
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
شبه جزيرة العرب والعالم الغربي قبل الإسلام د . إبراهيم بيضون أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة اللبنانية كان ثمة قطب ثالث لم يكن في دائرة الصراع الحربي المباشر ، ولكن أنظار القطبين الكبيرين الشرقي والغربي طالما اتجهت إليه ، مع استهداف أكثر تركيزاً من جانب الأخير ، وهو ما تمثله شبه جزيرة العرب في وسط منطقة نشوء الحضارات في العالم القديم . وقد ظلّت هذه محصّنة بصورة ما عن الغزو الخارجي ، من دون أن تنقطع عن الاتصال بما حولها ، أو تكفّ عن ترسيخ حضورها في سياق حركة التاريخ ، حتى آل إليها زمام هذه الحركة ، وتحوّلت بها إلى مسار انقلابي في المفاهيم والفكر الإنساني القيمي ، مما لم يسبق لنمط آخر أن شهده من المسارات السالفة الغارقة في القتل والدمار . بيد أن المرويات لا تحمل إلينا معطيات كافية عن هذا الموقع الحيوي في عصوره القديمة ، إذ كانت شأنها بعد ذلك ، تواكب الحدث في محيطه المركزي ، دون أن تحظى المواقع الأخرى البعيدة ، بما تستحقه من الاهتمام ، عدا أن المصنِّفين المسلمين ، وكان مألوفاً في تواريخهم ، التمهيد لها بمقدمات فضفاضة عمّا قبل الإسلام ، اعتمدوا فيها على تواتر القصص الإخباري ، التاريخي والديني ، فجاءت غائمة تفتقر إلى المادة الموثّقة ، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار ، أن الكتب السماوية ترمز فقط إلى دلالة ما للحدث ، ولا تؤرخ في الأساس له ، ومن هذا المنظور تصبح الكتابة في موضوعة العلاقة بين مجتمعات شبه الجزيرة العربية والعالم الغربي ، مهمة من النواحي الآثارية والجغرافية والأدبية ، وبالقليل مما صار في الروايات المفعمة بالأساطير . ولعل ما يتفق المؤرخون عليه ، أن الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة ، هو من أقدم مراكز الاستقرار في شبه الجزيرة العربية ، حيث عُرف لدى الإغريق ب - « بلاد العرب السعيدة » تمييزاً له بخصوبة أرضه ، ووفرة منتجاته ، لا سيما البخور ، إحدى السلع الرائجة في ذلك الزمن ، ولكن الزراعة وتقنياتها المتطورة ( السدود . . ) ، ليست محور الدور الحضاري لهذا الإقليم ، إذ كانت التجارة هي ما عزّز هذا الدور